ثقافة ندوة "الحكاية من خلال كاميرات تونسية": من اقتباس النصوص إلى إعادة ابتكار الحكايات
نشر في 30 أكتوبر 2026 (09:46)
تراهن السينما التونسية عبر مسارها المتمرد على الربط المتجدد بين روافد الفن ومنابع الإبداع، حيث لم تكن الكاميرا يوما أداة لمحاكاة الواقع فقط، بل كانت ولا تزال مرآة تعيد تفكيك النص وتحديث أسراره. وفي قلب هذا التفاعل الخلاق بين المكتوب والمرئي، شهدت قاعة صوفية القلي صباح الخميس 29 أكتوبر 2026، فعاليات "يوم السينما" ضمن الدورة الخامسة للمعرض الوطني للكتاب التونسي. جاء هذا اللقاء تتويجا لحراك ثقافي دؤوب خصصته هذه الدورة لتباحث تقاطعات الكتاب مع المسرح والفنون التشكيلية والسينما. وفي هذا السياق، انتظم محور ندوة بعنوان "الحكاية من خلال كاميرات تونسية"، والتي شهدت مداخلات أثراها نخبة من النقاد والسينمائيين بالتعاون مع الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي.
الدكتور كمال بن وناس: تحولات المعنى وجماليات الاقتباس
استهل الجامعي والناقد السينمائي كمال بن وناس مداخلته بتفكيك آليات الاقتباس السينمائي، مؤكدا أن هذه العملية لا تهم السينما كتقنية فحسب، بل تعني القارئ والناقد والمحلل بدرجة أولى. فبينما يعمد السينمائي إلى تركيب الأشياء عبر المونتاج واقتطاع المشاهد، يقوم الناقد بعملية عكسية تتمثل في التفكيك أو "الديمونتاج" لسبر أغوار العمل وكشف هندسته الداخلية. وفي هذا السياق، قارن المحاضر بين القارئ العادي الذي يكتفي بالمشاهدة، والقارئ المحلل الذي يفكك النصوص ويشرّح بنيتها، مشددا على أن النص الأدبي هو مادة قابلة للتشكيل والقراءات المتعددة ما لم تكن بنيته الأساسية صلبة ومستعصية على التفكيك.
كما أشار إلى أن كل عمل إبداعي يتكون من ثلاثة أركان: الذات بما تحمله من تجربة شخصية، المحيط العائلي والاجتماعي الذي يعيش المبدع في كنفه، والبعد الإنساني الكوني. وعرّج بن وناس على أمثلة عالمية كبرى لتدعيم أطروحته، متوقفا عند ملحمة "دون كيشوت" لسرفانتس وكيف نجحت في اختراق القرون لتلهم السينما والأدب والمسرح الشعبي. كما استحضر تجربة مارسيل بروست في "البحث عن الزمن المفقود"، مبينا كيف يختزن النص الأدبي في ذاته طاقة التجدد والمقاومة ضد الفناء.
وختم مداخلته بالتأكيد أن السينما حين تلتقي بالأدب، تتحول إلى أداة كبرى لإيقاظ الوعي وتحرير الفكر من قيود النمطية والتكرار، لتظل الشاشة الكبرى والكتاب وجهين لإبداع بشري خالد.

المخرج محمد بوحجر: التصوير السينمائي والتاريخ بين السرد والواقع
واصل المخرج محمد بوحجر، ممثلا عن الجامعة التونسية لنوادي السينما، إثراء النقاش بمداخلة تناولت إشكالية التصوير السينمائي والتاريخ، حيث طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة السينما على نقل الواقع التاريخي، معتبرا أن "التاريخ ليس هو الواقع الفعلي، بل هو واقع قديم"، مسلطا الضوء على كيفية تحويل النص التاريخي إلى مادة بصرية يجسدها المخرج والممثل.
وأشار بوحجر إلى أن العلاقة بين المتفرج والمخرج تحكمها مدى إحاطة العمل بالواقع، مؤكدا أن التصوير السينمائي يستمد قيمته الحقيقية من قدرته على إعادة إنتاج الحقيقة التاريخية بصريا، ومحذرا من السقوط في فخ "الأناكرونيزم" (المفارقة التاريخية) حين تُسقط الأيديولوجيات المعاصرة على الماضي.
كما ناقش كيف تسعى السينما التاريخية لإنتاج سرديات وطنية أو كبرى، لكنها تواجه تحدي الحفاظ على تعقيد الشخصيات دون السقوط في التبسيط أو تقديم إجابات جاهزة، مستحضرا فيلم "ألكسندر" للمخرج أوليفر ستون، وكيف تعامل مع التاريخ بعيدا عن الثنائيات المطلقة للخير والشر.
وختم بوحجر بمطالبة النقاد والسينمائيين بعدم التخلي عن جماليات السينما، وتقديم مساحة من "الشك المريح" بدلا من الإجابات القطعية، لحفظ تعقيدات البشر والوقائع التاريخية.
الدكتورة أنس كمون: ظاهرة الاقتباس والذاكرة البصرية
اختتمت الندوة بمداخلة متميزة للدكتورة والمخرجة أنس كمون، رئيسة الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي، خصصت لتشريح ظاهرة الاقتباس السينمائي في علاقتها بالأدب والذاكرة البصرية التونسية.
استهلت كمون مداخلتها بالحديث عن التحولات العميقة التي شهدتها السينما التونسية المعاصرة، لا سيما مع التحول الرقمي واعتلاء المنصات الافتراضية، ما ساهم في اتساع دائرة الانتشار لتصل إلى جمهور أوسع. وأشارت إلى أن هذا التطور كان منطلقا لتأسيس تظاهرات بحثية، مذكرة بندوة سابقة نظمتها الجمعية حول اقتباس الرواية التونسية في الفيلم الروائي القصير، والتي أثمرت مؤلفا جماعيا يضم قراءات نقدية لتسعة عشر فيلما.
وتعمقت في تحليل تجربة اقتباس الرواية، متوقفة عند أطروحة مفادها أن شح الاقتباس الأدبي يعود أحيانا إلى تردد المخرجين أنفسهم، رغم وجود محاولات رائدة. وقسّمت كمون مسار الاقتباس إلى مراحل، أبرزها مرحلة السبعينيات عبر تجارب مثل "فلاّقة" لعمار الخليفي، و"المصباح المظلم" لحمودة بن حليمة، و"الرعاة" لفريد بوغدير، وصولا إلى المبادرات المؤسساتية المتمثلة في دعم وزارة الشؤون الثقافية عبر المركز الوطني للسينما والصورة.
واتخذت كمون من رائعة علي الدوعاجي "نهاية أعزب" والفيلم المقتبس عنها "دبوس الغول" لفارس نعناع أنموذجا تحليليا لـ "ثلاثية الزمن والتقاطع" بين النص الأدبي، ومعالجته السينمائية الأولى، وإعادة تلقيه بعد سنوات، مبرزة كيف نجح العمل في تفكيك بنية المجتمع وصياغة مرآة ساخرة تعكس أزمات الإنسان المعاصر. كما توقفت عند دلالات العنوان الأصلي "دبوس الغول"، وكيف استلهمت الذاكرة الشعبية هذه الرموز لتلتقي فيها الأسطورة بالتراث الأدبي.
وختمت بالتأكيد أن الجدل الذي يرافق بعض الأفلام يمثل دليلا على حيوية السينما التونسية، مشددة على أن العمل المقتبس لا ينقل النص بحرفيته، بل يعيد تأويله ليغدو مرآة تعكس تحولات الوعي الجماعي.
لم تكن ندوة "الحكاية من خلال كاميرات تونسية" محطة عابرة للتنظير النقدي، بل جاءت كوثيقة تؤكد أن ارتحال النص من بين ضفتي الكتاب إلى رحابة الشاشة الكبرى هو فعل إعادة خلق متجدد يضخ دماء جديدة في أوردة الفن. حيث أثبت المشاركون أن السينما التونسية—في اشتغالها على الذاكرة والتاريخ—لا تكتفي بنقل الحكاية، بل تعيد حلحلة الأسئلة الصلبة والقوالب الجاهزة.
... وعروض سينمائية
أما في الفترة المسائية، فاحتضنت قاعة "صوفية القلي" — في إطار يوم السينما ضمن البرنامج الثقافي للدورة الخامسة للمعرض الوطني للكتاب التونسي — عرض ثلاثة أفلام قصيرة، وهي: "راعي النجوم" للمخرج مراد بن الشيخ، و"بقشيش" لحسان المرزوقي، و"سجين الروايات" بتوقيع الثنائي إبراهيم لطيف وسنية زرق العيون.
وجاء اختيار هذه الأعمال القصيرة تماشيا مع موضوع اليوم الذي دار حول الكتاب والاقتباس السينمائي، حيث أُقتبس الفيلم الأول لمراد بن الشيخ عن قصة "راعي النجوم" للأديب التونسي الراحل علي الدوعاجي، في حين اقتبس الثنائي لطيف وزرق العيون فيلمهما عن قصة للكاتب والروائي الأسعد بن حسين تحمل عنوان "سجين الروايات" ، نفس الأمر بالنسبة لفيلم "بقشيش" الذي اقتبس هو الآخر عن قصة بعنوان "جنون أستاذ" للكاتب الأسعد بن حسين.
تلا هذه العروض مجموعة من المداخلات، حيث قدّم المخرج مراد بن الشيخ والكاتب الأسعد بن حسين قراءة نقدية لمضامين هذه الأعمال من حيث الشكل والمضمون، فضلا عن تقنيات الاقتباس وغيرها من آليات إعادة صياغة النص الأدبي في قالب إخراجي سينمائي.
وتلخصت هذه المداخلات في أن النظرة الثاقبة للمخرج تختلف تماما عن ريشة الكاتب، وغالبا ما تتطلب العملية السينمائية قدرا معينا من "التجريد" للنص الأصلي للخروج برؤية بصرية قادرة على إيصال رسالة، أو تجسيد موقف أو فكرة أو حالة وجدانية ما.
ولتحقيق هذه الغاية، تتضافر عدة معايير وتقنيات سينمائية تشمل اختيار زوايا التصوير، والإضاءة، والديكور، واللقطات المناسبة، إلى جانب المؤثرات الصوتية، إذ يصب كل عنصر منها في خدمة الرؤية الفنية للمخرج.